الإنسان: مرآةُ الأسماء الإلهية وتجلّي الرحمة

يُعدّ الإنسانُ مرآةً لأسماء الله. فالعبدُ حين يَرحم غيرَه، إنّما يَستجلب في الحقيقة ظهورَ اسمِ «الرحمن» على نفسه. ومن كان بلسماً لجُرحِ إنسان، فقد داوى ظُلمةَ نفسِه هو؛ لأنّ العونَ الحقيقيَّ يولد من قلبٍ يرى الوَحدةَ لا الفُرقة. والإحسانُ إلى الغير هو في حقيقته رحلةُ الإنسان إلى حقيقةِ نفسه؛ إذ إنّ القلوبَ جميعَها مصابيحُ حقيقةٍ واحدة.

نفخ الله تعالى في آدمَ عليه السلام، لحظةَ الخَلق، روحاً من نَفَسِه الرحماني. وقد وردَ هذا في القرآن: «فإذا سوَّيتُهُ ونفختُ فيهِ من رُوحي…»، و«وعَلَّمَ آدمَ الأسماءَ كلَّها» (البقرة: 31). فصار آدمُ عليه السلام مرآةً لأسماء الحقّ، وتجلّى من مرآتِه الصافية نورُ الحقّ. وبنَفَسِ الرحمانية وما أُفيض عليه من الصفات الإلهية، صار آدمُ خليفةً ونائباً عن الحقِّ في الأرض. فحين خلق الله آدمَ عليه السلام قال لملائكته: «إنّي جاعلٌ في الأرضِ خليفةً» (البقرة: 30). وهذه هي وظيفةُ الإنسان في الدنيا؛ فالإنسانُ خادمٌ مُعِين!

وقد وردَ في الحديث الشريف عن النبيّ ﷺ: «الرَّاحِمُونَ يَرحَمُهُمُ الرَّحمنُ، ارحَموا مَن في الأرضِ يَرحَمْكُم مَن في السَّماء» (رواه الترمذي وأبو داود). وقال ﷺ أيضاً: «خيرُ الناسِ أنفعُهم للناس». ولمّا سُئل: ما خيرُ أعمال المؤمن؟ قال: «السعيُ في إصلاحِ العلاقات بين الناس وتقويتها».

ولا يقدر على رحمةِ الناس وشفائهم وعونهم وخدمتهم وقضاءِ حوائجهم إلا إنسانٌ نَهَل من رحمةِ الله ونورِه ومَعينِ شفائه. فالآخذُ الحقيقيُّ إذن هو المُعطي، هو القادرُ على العون. ومن يكسب المعارفَ هو القادرُ على بَذلِ الهمّة. ومن يستطيع أن يتلقّى نورَ الهداية هو القادرُ على أن يُنير. ومن يَشرب من مَعينِ الفيض هو القادرُ على أن يَرويَ ظمأَ الإنسان ويسدَّ حاجاته.

المأساةُ الإنسانية والأزمةُ الإنسانية في غزّة

اليومَ تُشاهَد في أرض غزّةَ أعظمُ الآلام في العالم. ونشهد وجودَ حاجاتٍ لا متناهيةٍ خالصةٍ، لم يُرَ لها نظيرٌ من قبل. رقعةٌ صغيرةٌ من الأرض تشهد أعظمَ دمار! وكلُّ آلامٍ ومعاناةٍ قد يعيشها بنو الإنسان في هذه الدنيا، يعيشها كلُّ فردٍ فلسطينيٍّ على الدوام.

إنّ السكّينَ التي غُرِست في غزّة قبل خمسةٍ وسبعين عاماً فتحت جرحاً ما زال ينزف منذ ذلك الحين. ومنذ السابع من أكتوبر، يُمعِنون في كلِّ هجمةٍ في نكءِ هذا الجرح، بشكلٍ واعٍ ومنهجيّ، ليزيدوا الآلامَ والمعاناةَ ويبلغوا بها الذروة.

إنّ شعبَ فلسطين لم يعد يعيش كإنسان لأنّ كلَّ ما يحتاجه الإنسانُ ليعيش قد دُمِّر هناك. قُصِفت كلُّ المباني، وهُدِمت المستشفياتُ والمدارسُ والمساجدُ والجامعاتُ واحدةً تلو الأخرى. لم يبقَ لهم أثاثٌ ولا كهرباءُ ولا حتى بيتٌ يأوون إليه. صارت غزّةُ وحدةَ عنايةٍ مركّزةٍ بلا مستشفًى ولا سريرٍ ولا دواءٍ ولا طبيب، ولم يبقَ فيها جسدٌ سليم.

العونُ هو سدُّ كلِّ حاجة. ففي الكوارث الطبيعية تُعِين فرقُ الإنقاذ. والطبيبُ يُعِين مريضه. ورجالُ الإطفاء يُعِينون مَن تُحرقهم النار. ومن يَرحم الجائعين والعطاشى والمتجمّدين بَرداً والغارقين في آلامٍ عميقةٍ فهو مُعِين. ومن يُؤوي اللاجئين فهو مُعِين.

لقد اضطُرِرنا إلى تغيير دعائنا لشعب فلسطين؛ «اللهمَّ! أَعِنِ المُعِينين!» لأنّ إسرائيل تهاجم بشكلٍ منهجيٍّ الأطبّاءَ والصحفيين ومن يُطعمون الطعام، وكلَّ من يريد أن يُعِين، فتقتلهم وتزجّ بهم في السجون. وهذا عينُ ما فُعِل في سفينة «مرمرة الزرقاء» المتّجهة إلى حدود غزّة، حين هاجمتها إسرائيل وتوفى تسعةٌ من الأتراك. كيف يستطيع إنسانٌ أن يهاجم إنساناً آخر يريد أن يُعِين، فيقتله؟! لقد هاجم الظالمون الأبرياءَ لأنّهم أبرياء. بل استُهدِف الرُّضّعُ والأطفالُ والأمّهاتُ بعقليّةِ مجزرةٍ مروّعةٍ لم يُرَ لها مثيلٌ في العالم.

لم يسقط أيُّ مجتمعٍ منذ وُجِد الإنسانُ على هذه الأرض في مثل هذا العَوَز! ولهذا صار سدُّ حاجاتِ شعب فلسطين أعظمَ مسؤوليةٍ على كلِّ إنسانٍ يعيش في هذه الدنيا.

الاندماجُ في همِّ غزّة

إنّ سدَّ الحاجات في غزّة هو اندماجٌ في همِّ شعب فلسطين. هو أن يقول المرءُ كما قالت إحدى النساء: «لستُ فلسطينيةً، لكنّ دمي ينزف؛ لأنّ جُرحَ كلِّ فلسطينيٍّ جُرحي!».

فحيثما كان ألمٌ وظلمٌ، سالت إليه قلوبُنا المفعمةُ بالرحمة. وحيثما كانت دموعٌ، بسطنا إليها أكُفَّنا. غزّةُ هي قلبُ الإنسانية جمعاء، وقد صارت وطنَنا الجديد! إنّ ترابَ وطنِ غزّة هو قلبُ الإنسانية. والاندماجُ في همِّ غزّة هو أن نكون مع الغرباءِ وأمثالِ هابيل. والاندماجُ في همِّ غزّة هو أن نكون مع القرآنِ الحيِّ الماشي على الأرض، ومع اليتامى، ومع الشهداء. والاندماجُ في همِّ غزّة هو أن نكون مع الرجالِ الأبطالِ، نُصُبِ الخلود.

قال نبيُّنا ﷺ: «مَثَلُ المؤمنينَ في تَوادِّهم وتَراحُمِهم وتَعاطُفِهم مَثَلُ الجسدِ الواحدِ، إذا اشتكى منه عُضوٌ تَداعى له سائرُ الجسدِ بالسَّهَرِ والحُمّى». فلنكن جسداً واحداً وقلباً واحداً!

وفي كيفيّةِ إعانتنا لشعب فلسطين الذي يعيش القيامةَ اليوم، يهدينا فخرُ الكائنات ﷺ السبيلَ في حديثه الشريف: «إنْ قامتِ الساعةُ وفي يدِ أحدِكم فَسيلةٌ، فإنِ استطاع ألّا تقومَ حتى يَغرِسَها فلْيَغرِسْها». إنّ هذا الحديثَ الشريف من أعمقِ التنبيهات والمواعظ. فأبركُ أعمالِ المؤمن — حتى وإن قامتِ القيامة — أن يَغرِس في الأرضِ بذرة. وخاصّةً لأجل أرض غزّة، لا يتوقّف عن غرسِ بذرةِ المحبّة، وبذرةِ الآخرة، وبذرةِ الإيمان، وبذرةِ الخير، وبذرةِ التوحيد. لأنّ هذه هي غايةُ المؤمن العُليا في الحياة.

لقد فقد شعبُ فلسطينَ أرضَهم، لكنّهم لم يفقدوا فطرتَهم. أمّا نحن فنملك الأرضَ، لكنّنا ابتعدنا عن الفطرة. الغزّيّون إيمانُهم سليمٌ وأرواحُهم في خطر، ونحن أرواحُنا سليمةٌ وإيمانُنا في خطر. الغزّيّون أحرارٌ، ونحن تحت احتلالٍ ذهنيّ.

لقد فقدنا — ونحن نعيش حياةً مُرفّهة — نورَ القرآن. ونحن نتعلّم من الغزّيّين نورَ الإسلام وكمالَه وجمالَه الذي أضعناه كأمّة. ونشهد أنّ شعب فلسطين، منذ خمسةٍ وسبعين عاماً وهو يُهاجر من الظلم إلى النور، قد بلغ غايتَه! لقد أتمّوا نورَ الله على أرضهم. وبفضلهم تجلّى قولُه تعالى في القرآن: «واللهُ مُتِمُّ نُورِهِ ولو كَرِهَ الكافرون» (الصف: 8). لقد استطاع شعبُ فلسطين، بفضلِ قوّةِ صمودهم وشجاعتهم، أن يتغلّب على قوى الشيطان الشرّيرة.

والحقيقةُ أنّ شعبَ فلسطين هو الذي يُعِيننا! إنّه يُظهِر الإسلامَ! إنّ الإنسانيةَ جمعاءَ تستيقظ وتنهض بسبب ما يجري في غزّة! فليُلامِسْ نورُ النبوّةِ من فلسطين أرواحَنا، من أجل العالم الإسلامي والإنسانيةِ كلِّها!

 

الإسلام والإحسان