الطهارة من الحَدَث
الحَدَثُ وصفٌ حُكميٌّ يقوم بالأعضاء فيمنع من الصلاة ونحوها؛ أي قَذارةٌ حُكميّةٌ لا حسّية (فالمسلم لا تنجس ذاتُه) لا يقف الجُنُبُ ولا المُحدِثُ بين يدي الله والطهارةُ من الجنابة تكون بالاغتسال (الغُسل) وكلُّ مؤمنٍ مكلَّفٌ بأن يتعلّم تفاصيل الغُسل من كتب الفقه العملي (علم الحال)
الاغتسال (الغُسل)
الغُسلُ يعني غَسلَ البدن كلِّه فرائضُ الغُسل ثلاثة:
- المضمضة: أخذُ ماءٍ كثيرٍ في الفم وإدارتُه إلى الحلق
- الاستنشاق: جذبُ الماء إلى أقصى الأنف وتنظيفُه
- غَسلُ البدن كلِّه بحيث لا يبقى موضعٌ جافٌّ ولو بمقدار رأس إبرة
سننُ الغُسل:
- غَسلُ اليدين مع الرُّسغين ثلاث مرّات
- غَسلُ موضع العورة
- إزالةُ ما على البدن من نجاسةٍ إن وُجدت
- الوضوءُ كوضوء الصلاة
- غَسلُ البدن كلِّه ثلاث مرّات
- صبُّ الماء عند الاغتسال ثلاثاً على الرأس أوّلاً، ثم ثلاثاً على المنكب الأيمن، ثم ثلاثاً على المنكب الأيسر وسائر المواضع
- البدءُ بالنية بالقلب، والقولُ باللسان: «نويتُ رفعَ الجنابة» أو «نويتُ الاغتسالَ من الجنابة»
- التسميةُ عند غَسل اليدين
- استعمالُ الماء بمقدارٍ معتدلٍ، لا كثيرٍ ولا قليل
- الحرصُ عند الاغتسال على عدم كشف العورة وفي الحمّامات يجب الاعتناءُ الشديد بستر العورة
- دَلكُ جميع الأعضاء جيداً عند الغَسل
- الاغتسالُ في موضعٍ لا يراه فيه أحد
- يُستحبّ ألّا يتكلّم بشيءٍ أثناء الاغتسال
- ألّا يستقبل القبلةَ أثناء الاغتسال
سننُ الوضوء
سننُ الوضوء عند المذهب الحنفي هي:
- النيةُ للوضوء
- البدءُ بالاستعاذة (أعوذ) والبسملة
- غَسلُ اليدين أوّلاً إلى الرُّسغين
- تنظيفُ الفم بالسواك أو الفرشاة، فإن لم يوجدا فدَلكُ الأسنان بالإبهام والسبّابة
- غَسلُ عضوٍ قبل أن يجفّ الذي قبله (الموالاة)
- دَلكُ الأعضاء المغسولة جيداً
- أخذُ الماء في الفم ثلاثاً وإخراجُه في كلِّ مرّة
- إذا لم يكن صائماً: ملءُ الفم بالماء ومضمضتُه (المضمضة)
- جذبُ الماء في الأنف ثلاثاً وإخراجُه بنثره باليد اليسرى (الاستنشاق)، والمبالغةُ في جذب الماء إذا لم يكن صائماً
- مراعاةُ الترتيب في الوضوء
- غَسلُ كلِّ عضوٍ ثلاث مرّات
- البدءُ بأطراف الأصابع عند غَسل اليدين والرجلين
- تخليلُ ما بين الأصابع
- تخليلُ اللحية الكثّة بالأصابع
- تحريكُ الخاتم إن وُجد في الإصبع
- مَسحُ الأذنين
فضلُ الوضوء
الوضوءُ نورٌ للمؤمن جاء في الحديث الشريف: «يبلغ نورُ المؤمن وبياضُه حيث يبلغ ماءُ الوضوء» (مسلم، الطهارة، 40)
والوضوءُ وسيلةٌ لتساقط الذنوب: «إذا توضّأ العبدُ المسلم (أو المؤمن) فغسل وجهه، خرجت من وجهه كلُّ خطيئةٍ نظر إليها بعينيه مع الماء (أو مع آخر قطر الماء) فإذا غسل يديه، خرجت من يديه كلُّ خطيئةٍ بطشتها يداه مع الماء (أو مع آخر قطر الماء) فإذا غسل رجليه، خرجت كلُّ خطيئةٍ مشتها رجلاه مع الماء؛ حتى يخرج نقيًّا من الذنوب» (مسلم، الطهارة، 32 وانظر أيضاً: الترمذي، الطهارة، 2)
والذنوبُ التي تُغفر بالوضوء هي الصغائرُ والأخطاءُ التي لا تتعلّق بحقوق العباد، دون الكبائر التي تستوجب توبةً خاصّة
الفِراسة
رأى الإمامُ أبو حنيفة شابّاً يتوضّأ، فقال له: «لا تفعل كذا وكذا من الأخطاء!» فتعجّب الشابُّ وسأل الإمام: «يا إمام! من أين علمتَ أنّي أرتكب هذه الأخطاء؟» فقال أبو حنيفة: «من الماء المتساقط من أعضاء وضوئك!»
غُرًّا مُحجّلين
يروي أبو هريرة رضي الله عنه: أتى رسولُ الله ﷺ المقبرةَ فقال: «السلامُ عليكم دارَ قومٍ مؤمنين، وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون وَدِدتُ أنّا قد رأينا إخوانَنا» فقال أصحابُه الكرام: «أوَلسنا إخوانَك يا رسول الله؟» فقال ﷺ: «أنتم أصحابي، وإخوانُنا الذين لم يأتوا بعدُ» فقال الصحابة: «كيف تعرف مَن لم يأتِ بعدُ من أمّتك يا رسول الله؟» فقال النبيُّ ﷺ: «أرأيتَ لو أنّ رجلاً له خيلٌ غُرٌّ مُحجّلةٌ بين ظَهْرَي خيلٍ دُهمٍ بُهمٍ، ألا يعرف خيلَه؟» قالوا: «بلى يا رسول الله» قال ﷺ: «فإنّهم يأتون غُرًّا مُحجّلين من الوضوء، وأنا فَرَطُهم على الحوض» (مسلم، الطهارة، 39 وانظر أيضاً: ابن ماجه، الزهد، 36)
أدبُ الحَسَنين
يروي مولانا جلال الدين الرومي في كتابه «فيه ما فيه» هذه القصّة: يُحكى أنّ الحسن والحسين رضي الله عنهما رأيا في صِغرهما رجلاً يتوضّأ خطأً، وكان وضوءُه لا يوافق الشريعة فأرادا أن يُعلّماه الوضوءَ على أحسن وجهٍ، فأتياه قال أحدهما: «إنّ أخي هذا يقول لي: أنت تُسيء الوضوء! فلنتوضّأ كلانا عندك؛ وانظر أيُّنا أصحُّ وضوءاً وأوفقُ للشريعة؟» فتوضّأ كلاهما عنده، فأدرك الرجلُ عيوبَ وضوئه بهذا الأسلوب اللطيف، وقال: «يا ولدَيّ، وضوءُكما موافقٌ للشريعة تماماً، صحيحٌ جميل؛ وإنّما وضوءُ هذا المسكين هو الخطأ»
وقد اعتنى رسولُ الله ﷺ بنظافة الفم والأسنان عنايةً خاصّة، وقال في حديثه الشريف: «لولا أن أشُقَّ على أمّتي لأمرتُهم بالسواك عند كلِّ صلاة» (البخاري، الجمعة، 8)
فإذن، ينبغي حين الوقوف بين يدي الله ألّا نقف بفمٍ متّسخٍ وأسنانٍ قذرةٍ كريهة الرائحة، بل نتوجّه إلى ذلك المقام بعد القيام بالنظافة اللازمة
الطهارة من النجاسة
يولي ديننا الحنيف للطهارة الظاهرة أهمّيةً كبيرةً كالطهارة الحُكمية قال ربُّنا: «إنّ اللهَ يحبُّ المتطهّرين» (البقرة: 222) مُحرّضاً المؤمنين على الطهارة المادّية والمعنوية وقد نزلت هذه الآيةُ الكريمة في أهل قُباء الذين كانوا يحرصون على الطهارة بالماء
وقد أقام الإسلامُ نظاماً مبنيًّا على أسس الطهارة والنظافة واللطافة وقد ورد أنّ النظافة من الإيمان
تكاد كتبُ الحديث والفقه عندنا كلُّها تبدأ بباب الطهارة وفي ديننا — كأصلٍ أساسيّ — لا تُرى بعضُ العبادات جائزةً ولا مقبولةً دون تحقيق طهارة البدن والمكان
وفي هذا الصدد، أُوليَت آدابُ قضاء الحاجة أهمّيةً كبيرة وأُمِر المسلمون بألّا يُصيبوا ثيابهم بالنجاسة، وأن يستبرئوا جيداً وقال رسولُ الله ﷺ: «عامّةُ عذابِ القبرِ من البول» (ابن ماجه، الطهارة، 26) طالباً من أمّته الدقّةَ في هذا الأمر
السلامة من النجاسة
يجب على المصلّي أن يَخلوَ بدنُه وثوبُه وموضعُ صلاته من كلِّ ما هو نجِسٌ شرعاً، كالدم والقيح والبول والقيء والكحول وما شابهها من الأقذار
وبهذه المناسبة، أقام الإسلامُ حضارةَ ماء؛ ففي كلِّ مكانٍ بلغته حضارةُ الإسلام شُيّدت الحمّاماتُ والأسبلةُ والصهاريج
وبهذه المناسبة أيضاً، بينما كانت أوبئةُ الطاعون تفتك بالناس في كثيرٍ من بقاع الأرض، نجت البلادُ المسلمة منها بأخفِّ الأضرار بفضل عادة النظافة
والأشياءُ النجِسة قد تضرّ بحالة الإنسان المعنوية/النفسية أيضاً؛ فبعضُ الأمراض المعنوية والضِّيقات الروحية قد ينشأ من عدم التوقّي من هذه النجاسات وبهذا تحفظ عبادةُ الصلاة صحّةَ المسلم البدنية والروحية معاً
يروي ابنُ عباس رضي الله عنهما: «مرّ رسولُ الله ﷺ بقبرين فقال: إنّهما لَيُعذّبان، وما يُعذّبان في كبيرٍ (وإنّه لكبير): أمّا أحدهما فكان لا يستتر من بوله، وأمّا الآخر فكان يمشي بالنميمة ثم دعا بعسيبٍ رطبٍ فشقّه باثنين، فغرس على هذا واحداً وعلى هذا واحداً، وقال: لعلّه يُخفَّف عنهما ما لم يَيبَسا» (البخاري، الأدب 49، الوضوء 55-56، الجنائز 82)
الاستبراء
من الأمور المهمّة الأخرى التي ينبغي الانتباه إليها في الطهارة من الحَدَث والطهارة من النجاسة: الاستبراء
الاستبراءُ هو الانتظارُ بعد قضاء البول حتى ينقطع البولُ من المثانة تماماً، إلى أن تطمئنّ النفس
ينبغي الانتظارُ قليلاً في الخلاء، ثم المشيُ قليلاً، ثم العودةُ للتحقّق ولا يُتوضّأ إلا بعد التيقّن من انقطاع البول تماماً
وللاستبراء في كتب الفقه توصياتٌ كالسُّعال، والاضطجاع على الجانب الأيسر، وتحريك القدمين فإن تعجّل بعد البول وتوضّأ دون استبراء، فإنّ ما قد يخرج من بولٍ بعد مدّة: يَنقُض وضوءه، ويُلوّث البدنَ والثيابَ بالنجاسة
وربّما صلّى المرءُ بلا وضوء وفي مذهبنا الحنفي: ما زاد على قدر الدرهم (نحو مساحة قطعة نقدية) من النجاسة يمنع صحّةَ الصلاة، وما دون ذلك لا يمنعها، لكن ينبغي تبديلُ الثوب بثوبٍ طاهرٍ في أوّل فرصة
وبعد القيام بالواجب، ينبغي ألّا يقع المرءُ في الوسواس بل أوصى النبيُّ ﷺ بنضح الثوب بماءٍ طاهرٍ دفعاً للوسواس
التقوى والفتوى
العنايةُ بالطهارة دون الوقوع في الوسواس هي منهجُ أولياء الله رأى بعضُهم الإمامَ أبا حنيفة مرّةً ينظّف وسخاً يسيراً جداً في ثوبه، فسألوه: «يا إمام! بحسب فتواك، هذه البقعةُ الصغيرة ليست نجاسةً تمنع الصلاة؛ فلماذا تتكلّف إزالتَها؟» فقال الإمامُ الأعظم: «تلك فتوى، وهذه تقوى!»
لا وسواسَ ولا إسراف!
الشيطانُ يقترب من المسلمين أحياناً من جهة اليمين — أي من بابِ ما يبدو خيراً — ليصدّهم عن العبادة والطاعة؛ فيُلقي تلقيناتٍ باطلةً تبدو حسنةَ النية فيوسوس للمؤمن بأنّ عبادته لم تُقبَل، فيجعله يُعيد الوضوء مراراً حتى يَمَلّ، ويغسل العضوَ الواحد أكثر من ثلاث مرّاتٍ (وهي السنّة)، ويجعله في الغُسل لا يستطيع الخروجَ من الحمّام ويمتدّ الضِّيقُ إلى اضطراباتٍ نفسية
وفي الوقت نفسه، تُوقِع هذه الوساوسُ المرءَ في الإسراف المحرّم في ديننا فعلينا — مع العناية والاهتمام بالطهارة — أن نبتعد عن الوسواس والإسراف، ونتعلّم ميزانَ ذلك من السنّة الشريفة
النظافةُ لا تكون بإهدار الماء الكثير، بل باتّباع السنّة يروي أنسُ بن مالك رضي الله عنه: «كان النبيُّ ﷺ يغتسل بالصاع إلى خمسة أمدادٍ، ويتوضّأ بالمُدِّ» (البخاري، الوضوء، 47)
وجاء أعرابيٌّ يسأل النبيَّ ﷺ عن الوضوء، فأراه النبيُّ ﷺ الوضوءَ بغَسل أعضائه ثلاثاً ثلاثاً، وقال: «هكذا الوضوء، فمن زاد على هذا فقد أساء وتعدّى وظلم» (النسائي، الطهارة، 105)
لا بدّ من معرفة الرُّخَص
ديننا شريعةٌ سمحةٌ تُيسّر عند الضرورة والمشقّة، ولا مكانَ فيها للعنت
- عند وجود ضمادٍ أو جرحٍ ونحوه على أعضاء الوضوء،
- وعند وضع مرهمٍ على البدن لمرضٍ مع نهي الطبيب عن إيصال الماء إليه مدّةً،
- وعند استمرار ما يَنقُض الوضوء بلا انقطاعٍ بسبب جرحٍ أو مرضٍ ونحوه،
ففي مثل هذه الأحوال ينبغي الاستفادةُ من رُخَص ديننا وتيسيراته، مثل: التيمّم، ووضوءِ صاحب العذر، والمسحِ على الخفّ/الضماد ولا حرج على كبار السنّ في الأخذ بتيسيرات المذاهب الأخرى
فمثلاً: قواعدُ وضوء صاحب العذر في المذهب المالكي أوسعُ منها في الحنفي ولن نُفصّل ذلك في هذا الكتاب، لكن ينبغي تحصيلُ هذه المعلومات من كتب الفقه العملي، مع عدم التخلّف عن العبادة والطاعة على كلِّ حال فديننا يُيسّر الصعابَ على كلِّ حال، لكنّه يأمر دائماً بالمداومة على الصلاة التي هي لقاءُ العبد بالحقّ تعالى
حتى في النهر الجاري!
مرّ رسولُ الله ﷺ يوماً بسعد بن أبي وقّاص رضي الله عنه وهو يتوضّأ، فقال: «ما هذا السَّرَف؟» فقال سعد: «أوَفي الوضوء إسراف؟» فقال رسولُ الله ﷺ: «نعم، وإن كنتَ على نهرٍ جارٍ» (ابن ماجه، الطهارة، 48)
اليوم تتدفّق أسبلتُنا كالأنهار، لكن بسبب تغيّر المناخ ونحوه قد تحدث أزماتُ مياهٍ في كثيرٍ من الأماكن
وأخذُ وضوءٍ جديدٍ لكلِّ صلاةٍ ليس إسرافاً، بل سنّة وتجديدُ الوضوء للصلاة القادمة ونحن على وضوءٍ وُصِف بأنّه «نورٌ على نور» والمؤمنون الصالحون يحرصون على البقاء على وضوءٍ دائماً، عند القيام صباحاً، وعند الخلود للراحة مساءً
جاء في الحديث الشريف: «لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن» (الموطّأ، الطهارة، 6)
وفوق طهارة النجاسة، فإنّ المحافظة على ثياب الصلاة والطواقي وسُجّادات الصلاة في نظافةٍ ناصعة، وتعطيرَ أماكن العبادة بالروائح الطيّبة، تجلٍّ للأهمّية المُولاة للعبادة وفي عناية أولياء الله بالصلاة أمثلةٌ على ذلك
استقبال القبلة
إنّ الحقَّ تعالى المنزَّهَ عن الزمان والمكان، المتعاليَ، الحاضرَ الناظرَ في كلِّ مكان، قد عيّن لعباده بعضَ الأماكن المباركة قِبلةً يتوجّهون إليها في الصلاة
وقد بيّنت الآيةُ الكريمة أنّ أوّل مكانٍ أُقيم مَعبَداً في الأرض هو الكعبةُ المعظَّمة في مكّة: «إنّ أوّلَ بيتٍ وُضِع للناسِ لَلَّذي بِبَكّةَ مباركاً وهدًى للعالمين» (آل عمران: 96)
وبحسب الأحاديث الشريفة، فإنّ بيت المقدس جُعِل قِبلةً بعد ذلك بأربعين عاماً (انظر: البخاري، الأنبياء، 10)
أمّا بناءُ سليمان عليه السلام للمعبد فيه، فقد تحقّق بعد قرون وقد جعل الحقُّ تعالى بيتَ المقدس قِبلةً لبعض الأمم السابقة، وأمر المؤمنين بعد الهجرة مدّةً باتّخاذ بيت المقدس قِبلةً
ثم نسخ هذا الحُكم، وأمر نهائياً فخرَ العالم ﷺ وأمّتَه أن نتوجّه إلى المسجد الحرام في مكّة المكرّمة التي وُلد فيها النبيُّ ونشأ وهذا من الخصائص التي تُبيّن مكانةَ رسول الله عند الله (البقرة: 142-150)
ونعلم أنّ تاريخ الكعبة المعظَّمة يمتدّ إلى آدم عليه السلام، وأنّها بعد أن غمرتها الرمالُ في طوفان نوح، أُظهِرت وأُعيد بناؤها على يد إبراهيم عليه السلام بإخبار جبريل عليه السلام
القبلة: شعارُ الحقّ
الكعبةُ المعظّمة — التي هي مركزُ عبادة الطواف في الحجّ والعمرة أيضاً — هي بيتُ الله وهذا التعبيرُ «بيت» إنّما هو بمعنًى معنويٍّ مجازيٍّ بطبيعة الحال وهي أبركُ مكانٍ مُنِح للتضرّع إليه، وطلبِ العفو عند بابه، والتوبةِ والاستغفار بالدموع وقد وُعِد بأجرِ مئة ألفٍ مقابل العبادة الواحدة في المسجد الحرام
وفي ديننا الذي يُعظّم التوحيدَ ولا يتساهل في الشرك أدنى تساهل، فإنّ قُدسيّة الكعبة والحجر الأسود وعرفات ومزدلفة ونحوها إنّما تنبع من كون الحقّ تعالى جعلها شعائر
وهذه الأماكنُ المقدّسة التي تحتضن ذكرياتٍ عزيزةً عاشتها سلسلةُ الأنبياء، هي رموزٌ لعفو الله وعنايته ولا يُنسَب إلى هذه الأماكن ولا إلى الأبنية التي فيها أيُّ قُدسيّةٍ ماديّةٍ فوق حقيقة كونها شعائر
والحاصل: السجودُ والركوعُ والطوافُ والاستلام، كلُّ هذه العبادات لله وأمر الحقُّ تعالى بأن تُؤدّى بالتوجّه إلى الشعائر التي حدّدها وعيّنها قال تعالى: «ولله المشرقُ والمغربُ فأينما تُوَلّوا فثَمَّ وجهُ الله» (البقرة: 115)
المعاني الإشارية للقبلة
نبّه المتصوّفةُ إلى هذه الحقيقة، وذكّروا بأنّه كما أنّ قبلة البدن في الصلاة هي الكعبة، فينبغي أن تكون قبلةُ القلب هي الحقَّ تعالى يقول مولانا جلال الدين الرومي: «ليطلبِ الحاجّون هناك صاحبَ الكعبة فإن استطاعوا أن يجدوا ربَّ الكعبة هناك (أي أن يجعلوا قلوبهم محلَّ التجلّي الإلهي)، فإنّهم بعد ذلك يجدون الكعبةَ في كلِّ مكان»
وفي شأن مؤمنٍ صالحٍ صار قلبُه محلَّ نظر الله، تأتي كلماتُ ابن عمر رضي الله عنهما مخاطباً الكعبةَ المعظَّمة، وما أعمقَ معناها: «ما أعظمَكِ! وما أعظمَ شأنَكِ! لكنّ شرفَ المؤمن الحقّ عند الله أعظمُ منكِ» (الترمذي، البرّ، 85)
أمّا الشيخ عبد القادر الجيلاني فيقول — كأنّه يُبيّن شرطَ هذه الرفعة: «لا يكون القلبُ كعبةً إلا لطُلّاب معرفة الله المتطهّرين ممّا سوى الله»
ستر العورة
في الصلاة، يجب على الرجال والنساء سترُ مواضع العورة الواجب سترُها بثيابٍ طاهرةٍ واسعةٍ مرتّبة ويُكره أن يصلّي الرجالُ مكشوفي المناكب ولأنّ النبيَّ ﷺ لم يصلِّ قطُّ مكشوفَ الرأس — إلا حال الإحرام — فإنّ سترَ الرأس بغطاءٍ موافقٍ للسنّة كالطاقية أو العمامة من سنن الصلاة وآدابها
كان بعضُ القبائل في الجاهلية يطوفون بالكعبة عُراةً، وهي عادةٌ قبيحة فردّ الحقُّ تعالى ذلك وقال: «يا بني آدمَ قد أنزلنا عليكم لباساً يُواري سَوْآتِكم وريشاً، ولباسُ التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله لعلّهم يذّكّرون» (الأعراف: 26) وقال الحقُّ تعالى بعدها: «يا بني آدمَ خذوا زينتَكم عند كلِّ مسجد» (الأعراف: 31)
فإذن، لا يُخرَج إلى حضرة الله بهيئةٍ رثّةٍ متّسخةٍ غير مرتّبة والوقوفُ بين يدي الله بأحسن هيئةٍ من اللباس من العوامل المعنوية التي تُحقّق الخشوع
ومعلومٌ: إن كنتَ لا ترى اللهَ فإنّه يراك! والمسلمُ في حياته اليومية يلبس ثياباً تستر عورتَه على وجهٍ لائقٍ بشخصيّته، وأمّا في الصلاة فيجتهد أن يكون أكثرَ ترتيباً وانتظاماً وللأسف نرى في زماننا أنّ الرجال حتى في الحياة اليومية يلبسون ثياباً ضيّقةً ملتصقةً بالبدن، تنكشف عند الركوع ظهورُهم وعوراتُهم، وأحياناً يأتون بهذه الهيئة إلى صلاة الجمعة
الميزان الإسلامي في اللباس
للأسف، في زماننا العائد إلى الجاهلية، شاعت بين الرجال أيضاً:
- ثيابٌ ضيّقةٌ مضرّةٌ بالصحّة، غيرُ ملائمةٍ للشخصية
- اختلطت شخصيّةُ المرأة بالرجل
- ازداد التشبّهُ بالأجانب
- انتشرت ثيابٌ منقوشةٌ بكتاباتٍ أجنبيةٍ وصورٍ قبيحة
- اسْتُحسِن كثيرٌ من المنكرات بحجّة إرضاء رغبات الأطفال
- حدث تآكلٌ في حسّ الستر عند الرجل والمرأة معاً
على المؤمن أن يعرف جيداً بمن يأنس، وألّا ينسى حديثَ النبيِّ ﷺ: «من تشبّه بقومٍ فهو منهم» (أبو داود، اللباس، 4/4031) وكذلك نادى عمرُ رضي الله عنه جيوشَه التي أرسلها إلى أذربيجان وداغستان قائلاً: «إيّاكم أن تلبسوا لباس المشركين! ولا تأكلوا من طعامهم! واحفظوا هناك الشخصيةَ الإسلامية»
انضباط الوقت
فرض الحقُّ تعالى علينا خمسَ صلواتٍ في اليوم، وعيّن لها خمسةَ أوقاتٍ تُحدَّد بحركات الشمس خلال اليوم، ولم يقل: صلّوا كلَّ يومٍ في أيِّ وقتٍ كان كذا وكذا ركعة
واختيارُ حركات الشمس لتحديد هذه الأوقات انعكاسٌ لعالميّة الإسلام؛ فبالشمس التي تُرى في كلِّ مكانٍ من الأرض يُحدَّد تقويمُ العبادة
وأداءُ هذه العبادة موزّعةً على اليوم بهذه الصورة رحمةٌ كبيرةٌ تجعل المؤمن ينظّم حياته وفق الصلاة، ويكتسب انضباطَ الوقت والأذانُ نوعٌ من إعلانات هذا التدريب على الوقت
والصلاةُ المفروضة لو صُلّيت قبل وقتها مراراً لم تُجزِئ وكذلك الصومُ لو أمسك قبل الوقت بخمس ساعاتٍ وأفطر قبله بخمس دقائق لم يُجزِئ، بل يكون تعباً فقط
وفي عيد الأضحى، لو ذُبحت الأضحيةُ قبل صلاة العيد لم تُجزِئ ومهما طال الوقوفُ في عرفات في غير يوم عرفة فلا يكون وقوفاً صحيحاً
والعباداتُ — وبخاصّةٍ الصلواتُ الخمس — تُكسِب المسلمَ في حياته اليومية انضباطَ الوقت والدقّةَ ووعيَ الترتيب أي إنّ الإسلام — بهذا الانتظام والانضباط الذي يُعيشه في حياة العبادة — يُعلّم ويُلقّن بوجهٍ ما أنّه لا ينبغي التصرّفُ على نحوٍ عشوائيٍّ غير منتظمٍ في أيِّ مجالٍ من مجالات الحياة
بركةُ اليوم
كلُّ وقتٍ من الأوقات الخمسة يضيف لليوم بركةً خاصّة:
- صلاةُ الفجر وسيلةٌ للنهوض المبكّر على نظامٍ ونشاط؛ وعالَمُ الطبّ والتربية يُبيّنان دائماً قيمةَ النهوض المبكّر ووقتُ الفجر الذي أقسم به الحقُّ تعالى يجعلنا نتفكّر كيف سنملأ الصفحةَ الجديدة الفارغة التي فتحها ربُّنا لنا في دفتر العمر
- صلاةُ الظهر كاستراحةٍ معنويةٍ وسط مشاغل الدنيا؛ تُحرّك القاعدَ وتُريح العامل وحالُ الشمس في أعلى السماء يُذكّر بيوم القيامة الذي لا ظلَّ فيه إلا ظلُّ العرش
- وقتُ العصر الذي هو بمثابة عدٍّ تنازليٍّ نحو الغروب المُذكّر بالقيامة، يجعلنا نتفكّر في العوالم الأخروية والظلالُ الممتدّة تُذكّر بالوقت الضيّق
- المغرب يجعل الناس يدخلون الليل بالصلاة أيضاً وفي هذا الوقت الذي يُفطر فيه الصائم ويعود الناس إلى بيوتهم، يُسجَد بتفكّر العودة إلى حضرة ربّنا في القيامة
- وآخرُ لقاءٍ في اليوم قبل الخلود للراحة يكون بصلاة العشاء؛ ويُتفكّر في محاسبة اليوم، وبأيِّ قيودٍ أُغلِقت تلك الصفحةُ البيضاء
وقد كره النبيُّ ﷺ الاسترسالَ في الأحاديث الدنيوية بعد العشاء لئلّا يمنع ذلك من القيام في السحر والفجر لكن في الليالي الطويلة — لأنّ وقت العشاء يدخل مبكّراً — لا يخالف السنّةَ الاشتغالُ ببعض المشاغل الخيّرة
رُخصةُ الجمع
جمع النبيُّ ﷺ في أحوالٍ كالسفر والمطر الشديد: بين صلاتي الظهر والعصر، وبين صلاتي المغرب والعشاء، أي صلّاهما مجموعتين
والجمعُ في الوقت الأوّل يُسمّى جمعَ تقديم، وفي الوقت الثاني جمعَ تأخير وفي المذهب الحنفي لا يُؤخَذ بهذا إلا في الحجّ في عرفات ومزدلفة
لكنّ علماء الحنفية اليوم يرون أيضاً جوازَ الجمع في الأحوال الضرورية كأسفار الطائرة والقطار السريع، بدلاً من ترك الصلوات قضاءً
الوقوف الزماني
علاوةً على الأوقات الخمسة، فإنّ إحياء وقت الضحى وبخاصّةٍ وقت السحر يجعل الصلاةَ وسيلةً لعيش هذه المحاسبة في التصوّف:
«الوقوفُ الزماني» في التصوّف — أي حالُ الوقوف على الزمان — هو أن يُحاسب السالكُ نفسه في كلِّ آنٍ وكلِّ حال، فيشكر على الآن والحال الذي قضاه في الحضور، ويتوب عن الأوقات التي أفناها في الغفلة وبعبارةٍ أخرى: المداومةُ على الاستغفار في حال القبض، وعلى الشكر في حال البسط
وبهذا، فإنّ من يتوقّى الغفلةَ على كلِّ حال، يتخلّص من قلق الماضي غير اللازم ومن همِّ المستقبل، فيشتغل بإحياء الحال الذي يعيشه وهذا ما يُعبّر عنه مبدأُ التصوّف: «ينبغي أن يكون الصوفيُّ ابنَ الوقت»
وقد جاء في الآية الكريمة من خصال المؤمنين: «الذين هم على صلاتهم دائمون» (المعارج: 23) هذه الآية في ظاهرها بمعنى عدم التفريط في الصلوات وأدائها في وقتها دون تفويت أمّا أولياء الله فقد حصّلوا — بتفسيرٍ إشاريٍّ — هذا المعنى وجعلوه غاية: «إنّهم بعد انتهاء الصلاة يكونون كأنّهم في الصلاة، في حالةٍ روحيةٍ معنوية؛ وبهذا يَبسُطون حالَ الخشوع في الصلاة على الوقت كلِّه»
يقول مولانا جلال الدين الرومي: «تَوضّأ وضوءاً لا يَنتقِض أبداً وصَلِّ صلاةً لا تنتهي أبداً العاشقَ لا تكفيه خمسُ صلواتٍ، بل يريد خمسَمئة ألف هل يريد العاشقُ الحقيقيُّ أن ينتهي الوصال؟» (المثنوي)
قيمةُ الوقت
قال رسولُ الله ﷺ: «نعمتان مغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناس: الصحّةُ والفراغ» (البخاري، الرقاق، 1)
والمؤمنُ صاحبُ انضباط الصلوات الخمس يعيش دائماً في حالِ أداءِ صلاةٍ وانتظارِ الأخرى بشوق
ويتحرّك موافقاً للآية: «فإذا فرغتَ فانصَبْ، وإلى ربّك فارغَبْ» (الشرح: 7-8) فإن فعل ذلك، بارك الحقُّ تعالى في عمره ويومه وما أجملَ ما تُعبّر عن هذه الحقيقة هذه القصّةُ من عصر السعادة:
هل من أحد؟
سأل النبيُّ ﷺ أصحابَه يوماً بعد صلاة الصبح: «مَن أصبح منكم اليومَ صائماً (نافلةً)؟» فقال عمرُ رضي الله عنه: «يا رسول الله! لم يخطر لي ليلةَ أمسِ أن أصوم، فلستُ صائماً الآن» وأمّا أبو بكر رضي الله عنه فقال: «أنا فكّرتُ ليلةَ أمسِ في الصوم فأصبحتُ صائماً» فسأل النبيُّ ﷺ أيضاً: «مَن عاد منكم اليومَ مريضاً؟» فقال عمرُ رضي الله عنه: «يا رسول الله! إنّما صلّينا الصبحَ الآن ولم نَبرَح أماكننا، فكيف نعود مريضاً؟» وأمّا أبو بكر رضي الله عنه فقال: «بلغني أنّ أخي عبد الرحمن بن عوف مريض، فمررتُ عليه وأنا في طريقي إلى المسجد لأطمئنّ على حاله» وسأل فخرُ الكائنات ﷺ أيضاً: «مَن أطعم منكم اليومَ مسكيناً؟» فقال عمرُ رضي الله عنه: «يا رسول الله! إنّما صلّينا الصبحَ الآن ولم نَبرَح أماكننا» وأمّا أبو بكر رضي الله عنه فقال: «دخلتُ المسجدَ فرأيتُ سائلاً يعرض حاجته، وكان في يد ابني عبد الرحمن كِسرةُ خبز شعير، فأخذتُها وأعطيتُها المسكين» فقال رسولُ الله ﷺ عندها: «أُبشّرك بالجنّة! (يا أبا بكر)!» فتنهّد عمرُ تنهيدةً عميقةً وقال: «آهِ الجنّة!» فقال النبيُّ ﷺ كلمةً تُطيّب خاطرَه أيضاً: «رحم الله عمر، رحم الله عمر! ما أراد أن يصنع خيراً قطُّ إلا سبقه إليه أبو بكر» (الهيثمي، 3/163-164 وانظر أيضاً: أبو داود، الزكاة، 36/1670؛ الحاكم، 1/571/1501)
يُبيّن النبيُّ ﷺ هنا أهمّيةَ أن يكون المؤمنُ دائماً على نيّة عمل الصالحات؛ فإن كانت النيّةُ صادقةً، أُتيحت للعبد فرصةُ عمل هذه الصالحات
النيّة
من شروط الصلاة أن يقف العبدُ بين يدي الله عالِماً أيَّ صلاةٍ يصلّي، أفرضَها أم سنّتَها
وقد رأى الفقهاءُ استحبابَ التلفّظ بالنية باللسان لكنّ الأصل هو النيةُ بالقلب لا باللسان؛ أي إنّ ما يُعقَد بالقلب هو المعتبَر حتى لو زلّ اللسان
وهذا — إشارياً — يدلّ على حضور القلب والوعي في الصلاة يقول إسماعيل حقّي البروسوي:
وإن كثُرت — يا قلبُ — شرائطُ الظاهرِ، فحضورُ القلبِ في الحقيقة وجهُ الصحّة
«يا قلب، شروطُ صحّة الصلاة في الظاهر كثيرة، لكنّ شرطَ الصحّة لأهل الحقيقة في الصلاة هو حضورُ القلب؛ أي إدراكُ القلب في الصلاة أنّه في حضرة الله»
أي على العبد أن يصرف العنايةَ التي يُوليها للشروط الظاهرة — بل أكثرَ منها — في تصحيح نيّته، وأداءِ العبادة لوجه الله وحده لأنّ: «إنّما الأعمالُ بالنيّات» (البخاري، بدء الوحي، 1)
فإن كانت النيّةُ خيراً كانت العاقبةُ خيراً وإن كانت النيّةُ خالصةً، هيّأ الحقُّ تعالى للعبد أسباباً تُصلِح عيوبَ عمله
الرياء / الشرك الخفيّ
أمّا إن فسدت النيّةُ، وتسرّب إليها الرياءُ والمظهرية، فإنّ تلك الصلاة — وإن كانت تامّةً في الظاهر — في حكم الخِرقة البالية عند الله وقد وصف فخرُ الكائنات ﷺ الرياءَ بأنّه «الشرك الخفيّ»
ينادي مولانا جلال الدين الرومي الذين يعبدون محرومين من الإخلاص: «أيّها الغافل! ليتك حين تسجد تُوجّه وجهك إلى الحقّ بصدقٍ، وتعرف معنى قولك: سبحان ربّيَ الأعلى أي ليتك تسجد سجودَ القلب لا سجودَ الشكل فحسب!»
والعباداتُ بلا إخلاصٍ مملوءةٌ بالشركاء والأقذار فالسرُّ الذي يُصفّي العباداتِ ويرفعها هو الإخلاص؛ وإلا فلا مَفرَّ من أن يكون المرءُ مخاطَباً بهذا العتاب الإلهي: «فويلٌ للمصلّين الذين هم عن صلاتهم ساهون، الذين هم يُراؤون» (الماعون: 4-6)
المصدر: عثمان نوري طوبّاش، «الصلاة والزكاة في حياة المؤمن»، منشورات يوز آقي